فخر الدين الرازي

114

تفسير الرازي

الأول أن يتراجعا بنكاح جديد ، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع ، لأن الزوجية كانت حاصلة بينهما قبل ذلك ، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح ، فهذا تراجع لغوي ، بقي في الآية مسألتان : المسألة الأولى : ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول ، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) * ( البقرة : 228 ) لأن المقصود من العدة استبراء الرحم ، وهذا المعنى حاصل ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد ، لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة ، وهذه الآية تدل على سقوط العدة ، لأن الفاء في قوله : * ( فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) * تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا . المسألة الثانية : قال الخليل والكسائي : موضع * ( أن يتراجعا ) * خفض بإضمار الخافض ، تقديره : في أن يتراجعا ، وقال الفراء : موضعه نصب بنزع الخافض . أما قوله تعالى : * ( إن ظنا أن يقيما حدود الله ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال كثير من المفسرين * ( إن ظنا ) * أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني : أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث : أنه بمنزلة قوله تعالى : * ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ) * ( البقرة : 228 ) فإن المعتبر هناك الظن فكذا ههنا ، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن ، أي متى حصل هذا الظن ، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله ، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم . المسألة الثانية : كلمة * ( إن ) * في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول : ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة : بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى ، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره ، ثم قال بعد ذلك : * ( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( وتلك حدود الله ) * إشارة إلى ما بينها من التكاليف ، وقوله : * ( يبينها ) *